عبد السلام احمد الراغب
47
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
وهذه فكرة باطلة ، لأنها تشكّك في القصص القرآني ، وأخباره ، وتعتبرها من قبيل العرض الفني ، وهي تدلّ على تأثّر صاحبها بالمفاهيم الأدبية في دراسته للأسلوب القرآني ، وفاته أن يدرك خصوصية النص القرآني ، وتميّز أسلوبه . إن الصورة القرآنية لا تبتعد عن الصدق الواقعي من أجل تحقيق أغراض فنية ممتعة ، كما زعم محمد أحمد خلف الله ، لأن القرآن ليس كتاب إمتاع فني ، بل هو كتاب هداية للبشر ، متميّز بأسلوبه الفني المعجز . وهذا يعني أن الصدق الفني يتمثّل في العرض الجميل للحقائق الواقعة ، وهو بهذا يعطينا نموذجا لعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني دون الإخلال بها أو الابتعاد عنها . ويتمثل الصدق الواقعي في كثرة الصور القرآنية المستمدة من عناصر الواقع ، مثل السراب ، والحجارة ، والحمر المستنفرة ، والعنكبوت ، والخشب المسندة ، والحمار ، والكلب ، والمهاد ، والأوتاد ، والعرجون ، والصم ، والبكم ، والعمي ، والرماد ، والريح ، والبحار ، والأمطار ، والسحاب ، والنبات ، واللؤلؤ والمرجان ، وأعجاز النخل ، والهشيم ، والغثاء ، والرميم ، والجراد ، والفراش ، والعهن ، والجبال ، والجمال ، والليل ، والنهار ، والنجوم ، والسماء ، والأرض ، والظلّ والحرور . . . إلخ » . حتى إن صور النعيم والعذاب يوم القيامة ، تستمد عناصرها من الواقع المألوف لدى الإنسان . فالواقعية إذا هي السمة البارزة في الصورة القرآنية ، أما قوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات : 65 . فهذه الصورة للشياطين كانت راسخة في أذهان الناس لمنتهى القبح والشر ، فجاءت الصورة القرآنية تعتمد عليها في تشكيل صورة مفزعة ، وبذلك تكون واقعيتها في رصيدها النفسي في الطباع والنفوس وإن لم يروها في العالم المحسوس « 7 » . كما أن الصورة القرآنية تنقل لنا الأحداث الواقعة وقت نزول القرآن ، بكل تفصيلاتها تصويرا حيا فيه اللمسات الفنية والنفسية ، والتوجيهية . لأن القرآن جاء لبناء واقع جديد ، وفق تصوّر إسلامي ، وبناء هذا الواقع يقتضي هدم الواقع الجاهلي بكل أشكاله وصوره وأفكاره ، وذلك
--> ( 7 ) انظر الحيوان للجاحظ : 6 / 212 - 213 . وانظر الكشاف للزمخشري : 3 / 342 .